ابن عجيبة
106
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
جريانه في الأودية ، أو اجتماعه في الآبار والحياض ، مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً أي : نسقى ذلك بهائم وناسا كثيرا . والأناسى : جمع أنسيّ ، ككرسى وكراسي . وقيل : جمع إنسان ، وأصله : أناسين ، وأبدلت النون ياء ، وأدغمت التي قبلها فيها . وقدّم إحياء الأرض على سقى الأنعام والأناسى ؛ لأن حياتها سبب لحياتهما . وتخصيص الأنعام من بين سائر الحيوان ؛ لأن عامة منافع الإنسان متعلقة بها . وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ أي : هذا القول ، الذي هو إنشاء السحاب وإنزال المطر ، على الوجه الذي مرّ من الغايات الجميلة ، في القرآن وغيره من الكتب السماوية ، أو : صرفنا المطر عاما بعد عام وفي بلدة دون أخرى . أو : صرفناه بينهم وابلا ، وطلّا ، ورذاذا وديمة . وقيل : التصريف راجع إلى الريح . وقيل : إلى القرآن المتقدم في قوله : لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ . . « 1 » ويعضده : وَجاهِدْهُمْ بِهِ « 2 » . وقوله : بَيْنَهُمْ أي : بين الناس جميعا متقدمين ومتأخرين ، لِيَذَّكَّرُوا ؛ ليتفكروا ويعرفوا قدر النعمة فيه ، أو : ليعرفوا بذلك كمال قدرته وسعة رحمته ، فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ ممن سلف وخلف إِلَّا كُفُوراً أي : جحودا لهذه النعمة وقلة اكتراث بها ، وربما نسبوها إلى غير خالقها ، فيقولون : مطرنا بنوء كذا . وفي البخاري عنه صلى اللّه عليه وسلم يقول اللّه تعالى : « أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر ، فأمّا من قال : مطرنا بفضل اللّه ورحمته ؛ فذلك مؤمن بي ، كافر بالكواكب . وأما من قال : مطرنا بنوء كذا ، فهو كافر بي ، مؤمن بالكواكب » « 3 » . فمن نسب الأمطار إلى الأنواء ، وجحد أن تكون هي والأنواء من خلق اللّه ، فقد كفر ، ومن اعتقد أن اللّه خالقها ، وقد نصب الأنواء أمارات ودلالات عليها ، لم يكفر . وعن ابن مسعود رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « ليس سنة بأمطر من الأخرى ، ولكن اللّه تعالى قسم هذه الأرزاق ، فجعلها في سماء الدنيا ، في هذا القطر ، ينزل منه كل سنة بكيل معلوم ووزن معلوم . ولكن إذا عمل قوم بالمعاصي حوّل اللّه ذلك إلى غيرهم ، فإذا عصوا جميعا صرف اللّه ذلك إلى الفيافي والبحار » « 4 » . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : الكون كله ، من جهة حسه الظاهر ، ظل آفل ، وضباب حائل ، لا وجود له من ذاته ، وإنما الوجود للمعاني القديمة الأزلية . فنسبة الكائنات ، من بحر المعاني الأزلية ، كنسبة ظلال الأشجار في البحار ، فظلال
--> ( 1 ) الآية 32 من هذه السورة . ( 2 ) الآية 52 . ( 3 ) أخرجه البخاري في ( الاستسقاء ، باب قول اللّه تعالى : وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ح 1038 ) ومسلم في ( الإيمان ، باب كفر من قال : مطرنا بالنوء ، 1 / 83 ، ح 125 ) ، عن زيد بن خالد الجهني . ( 4 ) ذكره بلفظه البغوي في تفسيره ( 6 / 89 ) وعزاه لابن إسحاق ، وابن جريج ، ومقاتل ، وبلغوا به ابن مسعود يرفعه . وأخرج الحاكم في المستدرك ( التفسير 2 / 403 ) ، عن ابن عباس : « ما من عام ، أمطر من عام ، ولكن اللّه قسم ذلك بين عباده على ما يشاء ، وتلا هذه الآية . يعنى : قوله : وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ وصححه الحاكم ، ووافقه الذهبي على شرط الشيخين .